التخطي إلى المحتوى

خواطر وأشعار أمل دنقل الجديدة مقالتي هذه المرة عن الشاعر المصري الشهير أمل دنقل الذي ولد عام 1940، هو من أسرة صعيدية بقرية القلعة التي تقع في محافظة قنا، كان والده من أحد علماء الأزهر الشريف وهذا ما نلاحظه على ما قام به شاعرنا من أعمال فقد أثر ذلك على قصائده وأشعاره وشخصيته، سماه والده أمل على الرغم من شيوع الإسم في مصر آنذاك وخاصة البنات إلا أن والده أصر على تسميته بهذا الإسم وذلك لميلاده في السنة التي حصل فيها على إجازة العالمية متأثراً بالنجاح الذي حققه.

حياته ونشأته

تأثر أمل دنقل بوالده الذي كان لديه موهبة الشعر فقد كان يكتب الشعر العمودي وكان عنده مكتبة ضخمة تحتوي على مجموعة كبيرة من كتب الفقه والشريعة والتفسير وهذا ما أثر على شاعرنا وساهم في تكوينه.

توفي والده وهو في العاشرة من عمره مما أدى إلى تحمله مسئولية والدته وشقيقه وظهر الحزن على كل أشعاره، انتقل أمل دنقل إلى القاهرة بعد أن انتهى من دراسته الثانوية في قنا، فالتحق بكلية الآداب ولكنه لم يستطيع تكملة دراسته في العام الأول وذلك لأغراض العمل لينفق على والدته وشقيقه.

عمل موظفاً بمحكمة قنا وجمارك السويس والإسكندرية ثم عمل بعدها كموظفاً في منطقة التضامن الأفرو آسيوي ولكنه كان يفضل كتابة الشعر عن العمل فكثيراً ما كان يترك العمل من أجل كتابة القصائد والدواوين الشعرية.

خواطر وأشعار أمل دنقل

استوحى شاعرنا العظيم أشعاره وقصائده من التراث العربي وهذا كان مخالفاً للمدراس الشعرية في فترة الخميسنيات، فكان أغلبية الشعراء في تلك الفترة متأثرين بالميثولوجيا الغربية واليونانية.

ساهمت أحلام العروبة والثورة المصرية في تشكيل نفسية أمل دنقل فهو مثله كمثل المصريين في تلك الفترة صدم بإنكسار مصر عام 1967 وهذا ما دفعه إلى كتابة “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” و “تعليق على ما حدث”.

شاهد أمل دنقل النصر الكبير ورفض معاهدة السلام وفي ذلك الوقت نهض لكتابة “لا تصالح” وعبر من خلالها على كل ما بداخل المصريين، فكان موقفه مع معاهدة السلام سبباً في اصطدامه بالسلطات المصرية وكانت أشعاره يتم ترديدها في المظاهرات على ألسنة المتظاهرين.

لم ينسى شاعرنا أصله فعبر عن مصر وصعيدها وأهلها في أشعاره وهذا ما نجده من خلال قرأتنا لقصيدته التي بعنوان “الجنوبي”، اشتهر أمل دنقل من خلال ديوانه الأول “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” الذي تحدث فيه عن احساس الإنسان العربي بنكسة 1967 فهو دائم الإرتباط بوعي القراء ومشاعرهم، وفيما يلي مجموعة من أروع خواطر وأشعار أمل دنقل.

  • حين سَرَتْ في الشارعِ الضَّوضاءْ واندفَعَتْ سيارةٌ مَجنونةُ السَّائقْ تطلقُ صوتَ بُوقِها الزاعقْ
    في كبدِ الأَشياءْ: تَفَزَّعَتْ حمامةٌ بيضاءْ (كانت على تمثالِ نهضةِ مصرْ.. تَحْلُمُ في استِرخاءْ)
    طارتْ, وحطَّتْ فوقَ قُبَّةِ الجامعةِ النُّحاسْ لاهثةً, تلتقط الأَنفاسْ وفجأةً: دندنتِ الساعة.
  • الطيورُ مُشردةٌ في السَّموات ليسَ لها أن تحطَّ على الأرضِ ليسَ لها غيرَ أن تتقاذفَها فلواتُ الرّياح! ربما تتنزلُ كي تَستريحَ دقائقَ فوق النخيلِ – النجيلِ – التماثيلِ – أعمِدةِ الكهرباء –
    حوافِ الشبابيكِ والمشربيَّاتِ والأَسْطحِ الخرَسانية.
  • قصدتهم في موعد العشاء تطالعوا لي برهة، ولم يرد واحد منهم تحية المساء!وعادت الأيدي تراوح الملاعق الصغيرة في طبق الحساء نظرت في الوعـــاء : هتفت : (( ويحكم دمي هذا دمي فانتبهوا )) لم يــأبهوا ! وظلّت الأيدي تراوح الملاعق الصغيرة.
  • هذا الذي يجادلون فيه قولي لهم عن أمّه، ومن أبوه أنا و أنت حين أنجبناه ألقيناه فوق قمم الجبال كي يموت ! لكنّه ما مات عاد إلينا عنفوان ذكريات لم نجتريء أن نرفع العيون نحوه لم نجتريء أن نرفع العيون نحو عارنا المميت ها طفلنا أمامنا غريب.
  • أيتها العرافة المقدَّسةْ  جئتُ إليك مثخناً بالطعنات والدماءْ أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ. أسأل يا زرقاءْ عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء عن ساعدي المقطوع وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة عن صور الأطفال في الخوذات ملقاةً على الصحراء عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء.. فيثقب الرصاصُ رأسَه في لحظة الملامسة !.
  • تسألني جاريتي أن أكثري للبيت حرّاسا فقد طغى اللصوص في مصر ..
    بلا رادع فقلت: هذا سيفيَ القاطع ضعيه خلف الباب. متراسا! ماحاجتي للسيف مشهورا ما دمت قد جاورت كافورا ؟ عيدٌ بأية حال عدت يا عيدُ ؟ بما مضى ؟ أم لأرضي فيك تهويد ؟  نامت نواطير مصرعن عساكرها وحاربت بدلاً منها الأناشيد ! ناديت: يا نيل هل تجري المياه دماً لكي تفيض، ويصحو الأهل إن نودوا عيد بأية حال عدت يا عيد؟

حقيقة كتاب الجنوبي

هذا الكتاب يبدو وكأنه سيرة غيرية إلا أن صفحاته كشفت أنه سيرة ذاتية لزوجة الشاعر أمل دنقل السيدة عبلة الرويني تتحدث عن تجربتها الشخصية مع أمل دنقل وتحدثت عن اللقاء الأول الذي جمعها مع شاعرنا الراحل وهذا كان في عام 1975 في مقهى “ريش” حيث كانت صحفية في بداية عملها بجريدة الأخبار ترغب في عمل حوار مع أمل دنقل.

كانت تعرف جيداً صعوبة نشر هذا الحوار لأن شاعرنا كان يسارياً، فذا الحوار سهل في نشره بأخبار اليوم العربية صعب جداً في أن ينشر داخل مصر، ولكنها أصرت على أن تخالف هذه المرة سياسة الجريدة، وبالفعل بحثت عنه في المقاهي حتى وجدته وبدأت كلامها بعبارة “كنت أظنك أكبر قليلاً!” فضحك بصوت عالي وقال لها ” لم أستفز فأنا إنسان قبل أن أكون شاعر” فابتسمت وقالت “اطمئن لن أحبك”.

أضافت عبلة أن الإنطباع الأول الذي كونته عن الشاعر مختلف فهو لم يشبه الأخرين ويتحدث بلغة أخرى ويحس أحاسيس تختلف عن البشر وقالت: “منذ الوهلة الأولى سقطت الأقنعة والمسافات وظهر لي كأنه صديق أعرفه من زمن بعيد”.

توالت اللقاءات وظهرت العواطف بينهما وفي اللقاء الرابع بينهما قال لها دون أي مقدمات “يجب أن تعلمي أنك لن تكوني أكثر م صديقة”، فقالت له “وأنا لست صديقتك فإنني وحدي صاحبة القرار في علاقتي بأصدقائي” وعلى الرغم من ذلك كانت تدرك أنه يحبها، فأصبح مقهى “ريش” مكان اللقاء المستمر والمفضل بينهما حتى تم كسر كل الحواجز التي بينهما وتزوجا.

وفاته

اكتشف شاعرنا بعد زواجه بتسعة أشهر ورم خبيث ينتشر في كل جسمه بسبب شربه للسجائر التي كانت تلازمه كثيراً، كانت تصفه زوجته في تلك الفترة بأنه شديد الصلابة صخري لا يخشى شيئاً ولا يعرف الخوف ابداً لكن من السهل إيلام قلبه.

عبر أمل دنقل في معهد السرطان عن معاناته مع المرض ولحظات ما قبل الموت في ديوانه “أوراق الغرفة8” كما لو كان صراع بين المرض والشعر، وفي عام 1983 توفي بمعهد الأورام بالقاهرة ليغلق أخر ورقة في دواوينه التي ظلت تقاوم حتى في اللحظات الأخيرة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *